الشيخ محمد رشيد رضا
40
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فكيف يعقل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات اه وذكر ( الرازي ) قبل ذلك ان هذه الآية نزلت في قول الوليد بن المغيرة : واللّه لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أحق بها من محمد فاني أكثر منه مالا وولدا ، ومن المعهود أن يصل الغرور ببعض المغرورين بالمال والقوة إلى اعتقاد مثل هذا وانتحاله لأنفسهم - وان كانت الرواية في كون هذا القول كان سببا للنزول لم تصح وقيل في سبب نزول غيرها - كما أنه عهد منهم ان يقولوا مثل هذا القول كبرا وعنادا يكابرون بهما أنفسهم وخداعا وغرورا يغشون بهما غيرهم ، ولا يهتدي لمثل استنباط خديجة ( رض ) الا الافراد من الفضلاء المنصفين ، وقد سبق في غير موضع من تفسير هذه السورة تحقيق القول في طلب المشركين للآيات الكونية وفي كبريائهم وحسدهم وغرورهم وكونها هي العلل الحقيقية لكفرهم وجحودهم بعد أن رد اللّه تعالى على أولئك المستكبرين المغرورين ما تضمنه قولهم من دعوى الاستعداد لمنصب الرسالة يخطر في بال القارئ ما يسائل به نفسه عن جزائهم فقال تعالى في بيان ذلك ( سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ) هذا الوعيد صريح في كون قائلي ذلك القول « لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ » من المجرمين الماكرين الذين مضت سنة اللّه تعالى أن يكونوا أكابر وزعماء في كل ية دب فيها الفساد وكان أهلها مقاومين للاصلاح ، وفيما ذهبنا اليه من عود مكرهم عليهم بعقاب اللّه تعالى إياهم في الآخرة باضطراد ، وفي الدنيا حيث يمكرون بالرسل ويصدون عما جاءوا به أو ما يب مما جاءوا به من الاصلاح ، وقد قصر الحافظ ابن كثير في اقتصاره على ذكر عقابهم في الآخرة الصغار كالصغر ( بالتحريك ) في الأمور المعنوية ، كالصغر ( بوزن العنب ) في الأشياء الحسية كما قال الراغب وقد فسروه بالذلة والهوان ، جزاء على الكبر والطغيان ، وفسر الراغب الصاغر بالراضي بالمنزلة الدنية وهو أب إلى الصواب ، والتحقيق في تفسير ( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ) ان المراد بالصغار خضوعهم لاحكامنا ونقل ابن جرير عن بعض أهل التفسير المأثور أن إعطاءهم إياها هو الصغار أي لأنه طاعة وخضوع لغيرهم ، وهناك قولان آخران لهم [ أحدهما ] ما رواه عن الضحاك ان معناه أن تأخذها وأنت جالس وهو قائم [ وثانيهما ] أن يمشوا بها وينقلوها إلى العامل